الاثنين، 21 ديسمبر 2009


إن من الشعر لحكمة


وإن أحسن بيت أنت قائله بيت يقال إذا أنشدته صدقا

حسان بن ثابت


علمتني الحياة

هذه قصيدة للشاعر محمد مصطفى حمام وهي حافلة بعاطفة سهلة رقيقة وهي عاطفة الرضا والطمأنينة ألقيت في المركز العام للشبان المسلمين وفرغ الشاعر من إنشادها ثم أجهش بالبكاء.

علمتني الحياة أن أتلقى كل ألوانها رضا وقبولا

ورأيت الرضا يخفف أثقالي ويلقي على المآسي سدولا

والذي ألهم الرضا لا تراه أبد الدهر حاسدا أو عذولا

أنا راض بكل ما كتب الله ومزج إليه حمدا جزيلا

أنا راض بكل صنف من الناس لئيما ألفيته أو نبيلا

لست أخشى من اللئيم أذاه لا, ولن اسأل النبيل فتيلا

فسح الله في فؤادي فلا أرضى من الحب والوداد بديلا

في فؤادي لكل ضيف مكان فكن الضيف مؤنسا أو ثقيلا

ضل من يحسب الرضا عن هوان أو يراه على النفاق دليلا

فالرضا نعمة من الله لم يسعد بها في العباد إلا القليلا

علمتني الحياة أن لها طعمين مرا وسائغا معسولا

فتعودت حالتيها قريرا وألفت التغيير والتبديلا

أيها الناس كلنا شارب الكأسين إن علقما وإن سلسبيلا

نحن كالروض نضرة وذبولا نحن كالنجم مطلعا و أفولا

نحن كالريح ثورة وسكونا نحن كالمزن ممسكا و هطولا

نحن كالظن صادقا وكذوبا نحن كالحظ منصفا و خذولا


قد تسري الحياة عني فتبدي سخريات الورى قبيلا قبيلا

فأراها مواعظا ودروسا ويراها سواي خطبا جليلا

أمعن الناس في مخادعة النفس وضلوا بصائرا وعقولا

عبدوا الجاه والنضار وعينا من عيون المها وخدا أسيلا

الأديب الضعيف جاها ومالا ليس إلا مثرثرا مخبولا

والعتل القوي جاها ومالا هو أهدى هدى وأقوم قيلا

وإذا غادة تجلت عليهم خشعوا أو تبتلوا تبتيلا

وتلوا سورة الهيام وغنوها وعافوا القرآن والإنجيلا

لا يريدوا آجلا من ثواب الله إن الإنسان كان عجولا

فتنة عمت المدينة والقرية لم تعف فتية أو كهولا

وإذا ما انبريت للوعظ قالوا لست ربا ولا بعثت رسولا

أرأيت الذي يكذب بالدين ولا يرهب الحساب الثقيلا


أكثر الناس يحكمون على الورى وهيهات أن يكونوا عدولا

فلكم لقبوا البخيل كريما ولكم لقبوا الكريم بخيلا

ولكم أعطوا الملح فأغنوا ولكم أهملوا العفيف الخجولا

رب عذراء حرة وصموها وبغي قد صوروها بتولا

وقطيع اليدين ظلما ولص اشبع الناس كفه تقبيلا

وسجين صبوا عليه نكالا وطليق مدلل تدليلا

جل من قلد الفرنجة منا قد أساء التقليد والتمثيلا

فأخذنا الخبيث منهم ولم نقبس من الطيبات إلا القليلا

يوم سن الفرنج كذبة إبريل غدا كل عمرنا إبريلا

نشروا الرجس مجملا فنشرناه كتابا مفصلا تفصيلا


علمتني الحياة إن الهوى سيل فمن ذا الذي يرد السيولا

قالت: والخير في الكون باق بل أرى الخير فيه أصلا أصيلا

إن تر الشر مستفيضا فهون لا يحب الله اليئوس الملولا

ويطول الصراع بين النقيضين ويطوي الزمان جيلا فجيلا

وتظل الأيام تعرض لونيها على الناس بكرة وأصيلا

فذليل بالأمس صار عزيزا وعزيز بالأمس صار ذليلا

ولقد ينهض العليل سليما ولقد يسقط السليم عليلا

رب جوعان يشتهي فسحة العمر وشبعان يستحث الرحيلا

وتظل الأرحام تدفع قابيلا فيردي ببغيه هابيلا

ونشيد السلام يتلوه سفاحون سنوا الخراب والتقتيلا

صور ما سرحت بالعين فيها وبفكري إلا خشيت الذهولا


قال صحبي : نراك تشكو جروحا أين لحن الرضا رخيما جميلا

قلت أما جروح نفسي فقد عودتها بلسم الرضا لتزولا

غير أن السكوت عن جرح قومي ليس إلا التقاعس المرذولا

لست أرضى لأمة أنبتتني خلقا شائها وقدرا ضئيلا

أنا أبغي لها الكرامة والمجد وسيفا على العدا مسلولا

علمتني الحياة أني إن عشت لنفسي أعش حقيرا هزيلا

علمتني الحياة أني مهما أتعلم فلا أزال جهولا


قيل: إن أبا حامد الغزالي لما أحس دنو أجله قال لبعض أصحابه: ائتني بثوب جديد.
فقال له: ما تريد به؟
قال أبو حامد: سألقى به الملك.
فجاؤوه بالثوب فطلع به إلى بيته وأبطأ على أصحابه فلم يعد.
فذهب إليه أصحابه يستطلعون نبأه فإذا هو ميت وإذا عند رأسه ورقة كتب فيها هذه الأبيات:

قل لإخوان رأوني ميتا فرثوني وبكوا لي حزنا
أتظنوني بأني ميتكم ليس هذا الميت والله أنا
أنا في الصور وهذا جسدي كان بيتي وقميصي زمنا
أنا عصفور وهذا قفصي طرت عنه وبقي مرتهنا
أنا در حواه صدف لامتحاني فنفيت المحنا
أحمد الله الذي خلصني وبنى لي في المعالي سكنا
كنت قبل اليوم ميتا بينكم فحييت وخلعت الكفنا
وأنا اليوم أناجي ملأ وأرى الله جهارا علنا
قد ترحلت وخلفتكم لست أرضى داركم لي وطنا
لا تظنوا الموت موتا إنه كحياة وهو غايات المنى
لا ترعكم هجمة الموت فما هي إلا نقلة من هاهنا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق